الظرف المشدد.....كوب الحليب في قالب الحلوى

يعد القسم العام من قانون العقوبات من أمتع فروع القانون الجزائي من حيث الدراسة ، لأنه يشرح بالتفصيل الممل أركان الجريمة...و بالإبحار في سفينة الفقه مع الكثير من الفقهاء و المدارس الفقهية القانونية........يجد المتعلم نفسه في محيط من المعلومات ، فتختلط عليه الأمور ، و قد آثرت هذه المرة أن أتناول موضوعا يدور في فلك هذا الفرع و سأعرضه بأسلوب أرجوا أن ينال إعجابك عزيزي القارئ و هو موضوع الظرف المشدد....
الظرف المشدد هو حالة تزامنت مع وقوع الجريمة فزادت العقوبة لاقتران هذه الحالة بالجريمة ، و الظروف المشددة كثيرة في قانون العقوبات...ولكل جريمة ظروف خاصة بها ، و من ذالك ظرف الليل في جريمة السرقة...وظرف القرابة في جريمة القتل ...و تسمى هذه الظروف بالظروف المشددة الواقعية لاتصالها بواقع الجريمة.......كما أن هناك ظروفا مشددة شخصية تتعلق بشخص المجرم ...كقيام الموظف العام بجريمة كان مسؤولا في الأصل على الحيلولة دون وقوعها ...
غير أن ما أريد طرحه في هذا المقام هو حالة فريدة تحدث في القانون الجزائي ...و هي أن بعض الظروف المشددة قد تكون جرائم مستقلة إذا وقعت بمفردها ، فارتكاب السرقة من مجرمين عدة....ظرف مشدد في السرقة .....و لكنه يشكل جريمة تكوين جمعية أشرار إذا وقع بمفرده !!
و لهذا فأنا أشبه الظرف المشدد بكوب من الحليب...بحيث يمكن شربه بمفرده دون إضافة شيء آخر....و يكون طعمه لذيذا للغاية...كما يمكن استعماله ضمن مجموعة من المكونات كالبيض و الزبدة ....لصنع قالب من الحلوى المنزلية !!! ، كذالك يكون الظرف المشدد ككوب الحليب إذا وقع بمفرده فيكون جريمة ...أما إذا اقترن بجريمة ذاب في المكونات الأخرى و أصبح ظرفا مشددا ، فنقول إن إسم قالب الحلوى هو كذا....و صنعت بالحليب و....و...
الشيء الجيد في موضوع الظرف المشدد هو أن كل الظروف المشددة محصورة في النصوص العقابية و لا يترك الأمر لتقدير القاضي...
و أخيرا أرجوا أن تستمتع عزيزي القارئ بقالب الحلوى ....في انتظار التدوينة القادمة

نظام الإختبار القضائي....المجرمون الأحرار بقوة القانون !!!

لا يختلف اثنان في أن أفضل مكان قد يتواجد فيه المجرم هو السجن ، غير أن النظام الذي نحن بصدد عرضه لك أخي القارئ له رأي مخالف و يسمى بنظام الإختبار القضائي، و هو نظام يستفيد فيه المجرم ...من عدم دخول السجن ، أي أنه يبقى حرا ...رغم ثبوت ارتكابه للجريمة
كل ما هنالك أن القاضي يعين من يتولى الإشراف عليه ، و يقدم هذا الأخير تقارير دورية عن تحسن حالة المجرم و مدى تأهيله إجتماعيا
و من الناحية التاريخية يعتبر نظام الإختبار القضائي أمريكي النشأة ، أحدثته ضمن تشريعها ولاية مساشوستس سنة ألف و ثمان مئة و ثمان و سبعين ميلادية ...وكان ذالك بسبب قصة طريفة بطلها صانع الأحذية جون أوجستس........الذي تعهد للقاضي بمراقبة شاب سكير كان يشرب الخمر في الطرقات العامة ، فقام جون باستضافة هذا الشاب في بيته و بعد ثلاثة أسابيع أعاده للقاضي...وتعهد الشاب بعد أن ظهرت عليه علامات الإستقامة أمام القاضي بعدم العودة إلى هذا السلوك مجددا ، فأطلق القاضي سراحه مستعملا في ذالك سلطته في العفو ...و قد وقعت أحداث هذه القصة سنة ألف و ثمان مئة وواحد و أربعين ميلادية ، و سمي جون بأب الإختبار القضائي ...لينتشر هذا النظام بعدها في ولايات أخرى ...ثم ينتقل إلى بريطانيا و دول أخرى
لا يمكن لنا أن ننكر أن نظام الإختبار القضائي يحمل في طياته بعض الإيجابيات خاصة إذا كانت الجريمة بسيطة نوعا ما ، و كان المجرم مبتدئا...فتجنيبه دخول السجن يجعله في معزل عن المساجين الأخطر منه ، و الذين قد يعلمونه أصناف الجرائم التي لا يعرفها ، ثم إن احتكاكه بالمشرف يعلمه أسلوب الحياة الطبيعية بعيدا عن عالم الإجرام
أما سلبيات هذا النظام...فأعتقد أنها قد تجعل منه مجازفة حقيقية......فالمجرم يصول و يجول بين الأبرياء ، و لن يستطيع المشرف ردعه عن إجرامه إذا أراد ذالك ، لأن الأول مجرم ...و الثاني مصلح إجتماعي و ليس شرطيا أو عسكريا، كل ما يستطيع فعله هو كتابة التقارير فقط........ثم إن من أهم خصائص العقوبة طابع الإيلام فيها ، وهو في هذه الحالة مفقود رغم أن المدافعين عن الإختبار القضائي يقولون أن الحد من حرية المجرم و مراقبته هو عقاب نفسي.........إلا أن هذا الطرح غير مقنع في رأيي ، كما أن الأخذ المفرط بالإختبار القضائي يشجع الإجرام .......لأن المجرم و هو يخطط لتنفيذ الجريمة يفكر في الوقت نفسه في العبارات التي سيقولها للقاضي للإستفادة من هذا النظام على شاكلة (...سأكون مواطنا صالحا إذا عفوتم عني !...)
و يقول أنصار هذا النظام أن المجرم سيعاقب إذا أخل بالتزاماته خلال فترة الإختبار ...لكن الرد هنا سيكون بسيطا: ماذا سنستفيد من سجن المجرم عند قيامه بقتل شخص ثان أمام أعيننا ؟ هل سنعيد القتيل الثاني للحياة؟؟؟
و أخيرا يتبادر إلى ذهني سؤال معين: كيف يمكن لسكان مدينة هادئة أن يطمئنوا إذا علموا أن بينهم مجرمين تحت الإختبار؟؟؟ لا أعتقد أني سأكون بخير لو كنت من سكان هذه المدينة ........كما لا أنصحك عزيزي القارئ أن تبقى في مدينة كهذه !!!

المحلفين....هواية أم مهنة؟؟؟

بداية أقدم أخلص التهاني لجميع قرائي الأعزاء بمناسبة عيد الأضحى المبارك ، كما أتمنى أن يعيده الله علينا بالخير و اليمن و البركات...ثم أعتذر عن غيابي عن التدوين فقد كان ذالك لأسباب صعب علي تجاوزها بسهولة، كما أود أن أهدي هذه التدوينة إلى أختي العزيزة أفلاطونية
تعتبر المحاكمة آخر مراحل الدعوى العمومية...فهي آخر مشهد من مشاهد المسرحية ليقرر قاضي الحكم : هل يستحق المتهم العقوبة أم لا؟
غير أن الملفت للنظر هو أن من يشارك في هذا القرار المهم أشخاص لا علاقة لهم بالقانون يسمون بالمحلفين
من الناحية التاريخية نظام المحلفين من ابتكار النورمانديين ، ظهر في بريطانيا سنة ألف وست و ستين ميلادية، حيث كان المحلفون يختارون من بين الفرسان الذين أدوا الخدمة ...و كان عددهم إثني عشر...ليقوموا بعدها بمهام تشبه إلى حد بعيد مهام قاضي التحقيق اليوم ، ويتولون التحقيق في القضية بكل حرية و يشاركون في تقرير الحكم، للإشارة فقط ...لم يكن هذا النظام وليد الصدفة بل جاء كرد فعل طبيعي على النظام المستبد الذي كانت تعيشه أوروبا آنذاك، فكانت الدولة عاجزة عن احتواء الإجرام ...كما كانت تمثل الإجرام في أحيان كثيرة وذالك عندما يقوم بالجريمة أحد الأشراف ، ثم انتشر نظام المحلفين شيئا فشيئا، إلا أن تمثيل المحلفين في المحاكم أكثر بالنسبة للدول التي تأخذ بالنظام الأنجلوساكسوني كالولايات المتحدة الأمريكية التي ذكرت المحلفين في المادة الثالثة فقرة ثانية من دستورألف وسبع مئة و سبع وثمانين :...و تتم معالجة جميع الجرائم ماعدا قضايا المحاكمات البرلمانية بواسطة المحلفين...، كما ذكرهم التعديل السابع للدستور الأمريكي سنة ألف وسبع مئة وواحد وتسعون :...للمتهم الحق في المحاكمة بواسطة المحلفين في الدعاوى المدنية...
إن المحلف هو شخص عادي لا يزاول أية مهنة قضائية يختار من بين من يرغبون في ممارسة هذه المهنة لمدة مؤقتة يشارك خلالها ضمن تشكيلة القضاة في الفصل في القضايا الجزائية غالبا.....فيدين و يبرئ...ويكون صوته بنفس قيمة صوت القاضي و المستشار خلال المداولات، لكن السؤال المطروح هو: هل الأشخاص العاديون مؤهلون لتقرير مصير المتهم؟؟؟
أعتقد أن أكبر عيب في إجراء المحاكمة هو وجود المحلفين ضمن هيئة الحكم لأسباب عديدة ، أولها أن هذا المحلف غير مختص فقد يكون نجارا أو حلاقا....و مع احترامي الشديد لكل هاته المهن النبيلة إلا أن القانون أكثر تعقيدا و خطورة من أن يتولى الحكم فيه شخص غير مختص لأنه سيكون عاطفيا إلى حد بعيد...خاصة إذا كانت مداخلة النائب العام شرسة ، أما السبب الثاني فهو أن بعض الدول تعاني من عدد المحلفين على مستوى المحاكم ، لأنه إذا تجاوز عدد المحلفين عدد القضاة و المستشارين فقد هؤلاء سلطتهم في إصدار الحكم ...ذالك أن لكل واحد في المداولة صوت ....أما إذا كان عددهم قليلا جدا، كان تمثيلهم في المحكمة مجرد ملء للكراسي ليس إلا ...و هنا تكون الدولة بين خيارين أحلاهما مر، غير أنه لابأس من اعتماد المحلفين ضمن هيئة تنفيذ الأحكام ، فيكونون شهودا عن تنفيذ الإعدام ...أو يعملون بالتنسيق مع قاضي تطبيق العقوبات في المؤسسات العقابية...فوجودهم هنا قد يبعث في المحكوم شعورا بالطمأنينة كما أنه يجنبنا المخاطرة بمرحلة مهمة كمرحلة المحاكمة التي تعتبر فرصة المتهم الأخيرة لإثبات برائته
ربما تكون قناعتي هذه نابعة من حبي للتخصص في كل شيء ....أذكر أنني قصدت مرب للعصافير عند اقتنائي لأول عصفور ليعلمني كل ما يتعلق بتربيته و لم أترك مجالا للتجربة أو الصدفة ، و عليه أعتقد أن حياة شخص أو حريته أهم بكثير من عصافيري....أليس كذالك؟

قرينة البراءة.........المتهم ملاك بجناحين !!!

كثيرا ما نسمع عبارة ( المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته ) ، و إن كانت هذه المقولة شعبية إلى حد بعيد ، إلا أن القانون الجزائي يلبس المجرم الذي لم تتم محاكمته و إدانته بعد لباس البراءة الأبيض ، وعلة ذالك في رأيهم أن الأصل في الإنسان البراءة...و أنه لا يعامل كمجرم إلا بعد صدور حكم يدينه ، بل إن إتجاهات عديدة في مجال القانون الجزائي تعترض على بعض المصطلحات المستخدمة حاليا ...كمصطلح مجرم و متهم ...وتفضل استخدام وصف مذنب أو مخطئ لأن ذالك في نظرهم يعتبر أكثر إنسانية !
لقد كانت قرينة البراءة محل اهتمام دولي قبل أن تدخل مجال التشريعات الوطنية ، فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10 ديسمبر1948 في المادة11 فقرة أولى على مايلي ( كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونا في محاكمة علنية....)
و كنتيجة لتطبيق مبدأ قرينة البراءة ...يعامل المجرم معاملة الإنسان العادي في كل مراحل الدعوى العمومية فيعتبره القانون مجرد نزيل في مرحلة التوقيف للنظر، كما أنه أشبه بالضيف الذي تستضيفه البرامج الصباحية عبر الفضائيات في مرحلة التحقيق حيث أنه يجيب عن الأسئلة التي يريد و يلتزم الصمت متى شاء و يعتبره القانون حقا له ، أما مرحلة المحاكمة فتكون له فيها الكلمة الأخيرة قبل دخول القاضي إلى غرفة المداولات.
وما يجب أن تعرفه عزيزي القارئ أن قرينة البراءة تعطي للمتهم سلاحين فتاكين:
أولهما أنه غير مكلف بإثبات برائته: بحيث يجب على النيابة العامة التي وجهت له التهمة أن تثبت أنه ارتكبها فعلا .
أما السلاح الثاني و هو الأكثر فتكا ، يتمثل في أن أي شك يساور القاضي في نسبة الأفعال المجرمة إلى المتهم ...يجعل القاضي يفسر شكه لمصلحة المتهم و بالتالي يبرئه ، بقي أن أشير إلى أن هاذين السلاحين لا يتوفران في كل الجرائم ...فهناك جرائم يكون فيها المتهم مدانا إبتداءا و عليه أن يثبت برائته.........فتنعكس القاعدة التي ذكرناها سابقا .
أما عن موقفي من ذالك....فأعتقد أن الله عزوجل قد خلق الملائكة و الشياطين ، فسخر الأولى للتسبيح...وجعل في الثانية رغبة لفعل كل قبيح و خلق الإنسان وجعله بين الإثنين...فإن التزم الفضيلة كان أقرب للملاك ، و إن أدمن الرذيلة كان شيطانا في هيئة إنسان و من هنا أقول أن المجرم مجرم....فلا داعي لاختيار المصطلحات الرقيقة لمجاملته، كل ما هنالك أن له الحق في عدم معاقبته حتى صدور حكم يدينه...أما تدليله خلال مرحلة المتابعة فلا أعتقد بأنها فكرة جيدة ...و تطبيق هذه النظرية جعل رجال القانون ينظرون إلى المجرمين على أنهم ملائكة، و أن السلاحين اللذين ذكرتهما سابقا بمثابة الجناحين....يطير بهما المجرم حيثما شاء في سماء العدالة.....ترى لو تخيلنا هذه الصورة ماذا سيكون لون هذه السماء؟؟؟

نريد سنة بخمسة فصول.... !!!

يهتم علم الإجرام بدراسة الأسباب التي دفعت بالمجرم للقيام بجريمته ، دون النظر إلى النتائج التي ترتبت عن القيام بها...فلا يهتم علم الإجرام بمتابعة الجاني و لا عقوبته بل يقوم بطرح سؤال واحد: ما الذي أدى بالجاني إلى إرتكاب فعلته؟
ومن بين النظريات التي جاء بها علم الإجرام ...نظرية تسمى القانون الحراري للجريمة the thermic fow of crime
حيث يعتقد مؤسسوا هذه النظرية بأن حالة الطقس تؤثر في شخص المجرم فتدفعه إلى ارتكاب نوع معين من الجرائم دون الأنواع الأخرى حيث يعتقدون بأن الشخص الذي يعيش في مناطق باردة أو الذي يجد نفسه في جو بارد (خاصة في فصل الشتاء) ...يحتمل ارتكابه لجرائم الأموال كالسرقة و الإحتيال و النصب.....إلى غير ذالك
و السبب في رأيهم يرجع إلى أن من يعيش في مثل هذا الجو يحتاج إلى الكثير من الطعام...كما يحتاج إلى ملابس شتوية باهضة الثمن مما يحتم عليه اللجوء للسرقة إذا لم يجد مالا يكفيه لسد حاجاته !
أما من يسكنون في مناطق حارة ، أو من يجدون أنفسهم في جو حار(كفصل الصيف)...فيحتمل إرتكابهم لجرائم الأشخاص كالقتل و الضرب و الجرح ، لأن الحرارة الشديدة تزيد في انفعال الإنسان مما يجعله يثور لأتفه الأسباب...فيقوم بإيذاء من تشاجر معه ، و عن الجو المعتدل كما يكون عليه الحال عادة في فصل الربيع أو الخريف يقول أصحاب هذه النظرية أن الإنسان يميل لارتكاب جرائم العرض كالإغتصاب مثلا ، و ذالك لأن فصل الربيع هو فصل التكاثر بالنسبة لمعظم الكائنات الحية ، و بالتالي فإن الإنسان يجد فيه ميلا لممارسة الجنس...باعتبار أن الجو فيه يتسم بالرومانسية ، فيلجأ البعض لإشباع غرائزهم بطريقة غير مشروعة...و هناك نظرية روسية الأصل ابتكرت لمعرفة عدد الجرائم في منطقة معينة حيث يجمع متوسط درجة الحرارة لشهر معين مضروبا في سبعة مع درجة الرطوبة ثم يضرب الكل في إثنان.....و لكن هل هذا صحيح حقا؟
إن الإنسان يتأثر حتما بالمناخ الذي يعيش فيه من الناحية النفسية ، و لكن هذا لا يشكل دافعا للجريمة ، كما أنه من المستحيل التسليم بهذه النظرية...لأنه بالعودة إلى أرشيف الجرائم عبر التاريخ...سيجد أصحاب هذه النظرية أنفسهم عاجزين عن تفسير علاقة الجريمة بالمناخ ، و على سبيل المثال : لقد كان مونتاغ جون دروي و المعروف ب(جاك باقر البطون)...قاتلا محترفا و قد اتخذ من قتل المومسات هواية مفضلة... وكان ذالك في مدينة لندن ، و توفي هذا القاتل في سنة 1889
لقد كان هذا المجرم يرتكب جرائم القتل في كل أشهر السنة...فقد قتل في شهر أوت ماري نيكولا، ثم قام بقتل آني شايان و إيليزابيت ستريد في شهر سبتمبر، و في شهر نوفمبر قام بقتل ماري جون كيلي ، و في ديسمبر قتل أليس دوبي....فإذا حاولنا الإستناد للقانون الحراري للجريمة وجدناه لا يتناسب مع المعطيات المتوفرة حول هذا المجرم....فلو صحت هذه النظرية لكان جاك اكتفى بقتل ماري نيكولا،ولاغتصب كلا من آني شايان و إليزابيت ستريد بدلا من قتلهما باعتبار أن الجريمة وقعت في فصل الخريف ، ثم يقوم بسرقة آليس دوبي لأن الفصل الذي تمت فيه الجريمة كان بداية الشتاء ، و لكني أحب أن أشير عزيزي القارئ إلى أن هذه النظرية قد تصلح للمناقشة في طائفة الجرائم التي ترتبط ارتباطا وثيقا بنفسية المجرم كجريمة الإنتحار
فإذا كان المناخ فعلا سببا من أسباب الجريمة فعلينا التفكير بجدية في الرحيل إلى كوكب آخر غير كوكب الأرض...ربما وجدنا سنة بفصل خامس لا ترتكب فيه جرائم.
و أخيرا ألم تلاحظ عزيزي القارئ أن هناك وجها للشبه بين مونتاغ جون دروي و مدونتي؟؟؟
سأجنبك عناء البحث و أجيب: لقد كان جون يرتكب جرائمه في نهاية الأسبوع....و هو نفس التوقيت الذي أنشر فيه تدويناتي !!!

تبييض الأموال..............سفرة جريمة

كثيرا ما يردد الطباخون عبارة مفادها أن الإنسان يتذوق بعينيه قبل فمه، بمعنى أن جمال الطبق و تناسق و تنوع ألوانه يزيد في شهية من يراه قبل تناوله ...و إن كنت شخصيا لا أعتقد ذالك فكثيرا ما نرى أطباقا بألوان رائعة و في صحون فاخرة و لكن طعمها أقل بكثير مما كنا نتوقعه...
وجريمة تبييض الأموال على الرغم من اعتبارها من أخطر الجرائم ، وتصنيفها ضمن الجرائم المنظمة طبقا لاتفاقية الأمم المتحدة للجريمة المنظمة المعتمدة في 15 نوفمبر2002 ، إلا أنه قلما نسمع عن توجيه تهمة تبييض الأموال لأن من يقوم بهذه الجريمة عادة ما يكون تحت حماية أشخاص نافذين في السلطة ، كما أن إثبات هذه الجريمة يحتاج لإجراءات معقدة
بداية...تبييض الأموال باختصار هو استخدام أموال نتجت عن القيام بجريمة في مشاريع يسمح بها القانون...وهذا هو وجه الشبه بين هذه الجريمة و المثال الذي ذكرته آنفا ، فليس كل ما تستحسنه العين هو بالضرورة كذالك...فقد يعتقد مجتمع بأكمله أن شخصا ما رجل أعمال ناجح و عبقري إقتصاديا لأنه تمكن في مدة وجيزة من تشييد الكثير من المؤسسات وتقليص البطالة ...و لكنه في حقيقة الأمر تاجر مخدرات
وللقيام بجريمة تبييض الأموال على المجرم القيام بعدة عمليات يمكن تلخيصها في مرحلتين:
المرحلة الأولى هي تحويل الأموال التي نتجت عن الجريمة ( أموال تجارة المخدرات مثلا)، و يقوم المجرم بذالك من أجل التخلص من السيولة النقدية الكبيرة لأنه لو حاول وضعها في أي بنك سيكتشف أمره بسهولة عند بحث البنك عن مصدر هذه الثروة...كما أنه يريد إخفاء الجريمة الأولى نهائيا ( المتاجرة بالمخدرات)، و تكون عملية التحويل بأن يشتري المجرم بهذه الأموال عقارات أو لوحات زيتية باهضة الثمن أو بتحويل هذه الأموال إلى حسابات بنكية أخرى
أما المرحلة الثانية فهي تشتيت هذه الأموال بمعنى توزيعها على نشاطات تجارية مختلفة فينشأ هذا المجرم شركة إستيراد و تصدير و شركة للأشغال العمومية إلى غير ذالك .
إعلم عزيزي القارئ بأن الذين يقومون بتبييض الأموال هم أشخاص أذكياء جدا و مستعدين لتبييض أموالهم في أي مكان في العالم ...و حتى لا تكون ضحية هؤلاء المجرمين عليك بالنصيحة التالية :
...إن الذين يرسلون عن طريق البريد الإلكتروني رسائل تتضمن عبارات خادعة كعبارة: إضغط هنا وستحصل على؟؟؟؟؟دولار أو ما شابه...
هذه الرسائل ليست للإشهارفقط، بل قد تكون ورائها شبكة لتبييض الأموال، كما قد ترسل لك رسالة إلكترونية إلى بريدك تطلب منك فيها إرسال رقم حسابك البريدي أو البنكي لتستلم مبلغا ماليا ، وسأكون صريحا معك أكثر عزيزي القارئ ...قد تجد مبلغا ماليا في حسابك البريدي حقا ...
في هذه الحالة لا تسحبه و أبلغ الشرطة فورا بذالك قصد إخلاء مسؤوليتك ، لأنك لو سحبت المبلغ قد تحاول تلك الشبكة إبتزازك فيخيرونك بين التعامل معهم فتجعل حسابك مصبا لأموالهم القذرة أو أن يبلغوا الشرطة ، و في الحالة الثانية سيعتبرك القانون عضوا من الشبكة لأنك كنت تسحب أموالا لا تخصك ...فسيعتبرها القانون عمولة من الشبكة مقابل استخدام حسابك.
و في الأخير أرجوا ان لا أكون قد أزعجتك عزيزي القارئ بهذه الجريمة........و لا تنسى أن تسأل عن الطبق قبل تذوقه.......شهية طيبة

قصة المحامي و جبته السوداء...مقبلات بنكهة المحاماة

بداية أتوجه باعتذار لجميع القراء بسبب عدم تدويني الأسبوع الماضي ، وكان ذالك لظروف خاصة جدا فعذرا.
لقد عرفت اليونان قديما نظام المحاماة، وكان للمتهم الخيار إما أن يدافع عن نفسه أو يتولى أحد أقاربه أو أصدقائه ذالك ، و إما يلجأ لمحام محترف ...وكان المحامي آنذاك رجلا يجيد فن الخطابة وعلى دراية بقوانين المدينة التي يدافع فيها عن موكله، ومن أشهر المحامين في آثينا (ليزياس)...و قد عرض على الفيلسوف سقراط خدماته في الدفاع ، ولكن هذا الأخير رفض، وكانت مدة الدفاع تقاس بواسطة الساعة المائية، أما النظام الروماني فكان أول من حدد أتعاب المحامي ( في عهد الإمبراطور كلوديوس)، فقد كان المحامي قبل ذالك يعمل على سبيل التطوع وفي أحسن الأحوال يتلقى هدايا بسيطة.
أما جبة المحامي السوداء...فلها هي الأخرى قصة، حيث أن اختيار اللون الأسود كان في العهد الكنسي في أوروبا، و من حيث التصميم قد تلاحظ عزيزي القارئ أن هناك شريطا من القماش الأسود يتدلى على صدر المحامي وعند نهايته قطعة بيضاء، و شريطين بنفس التصميم تتدليان إلى ظهره فما سر ذالك؟
يعتقد البعض أن القطعتين الخلفيتين كانتا تستعملان كجيوب يضع فيها الزبون قطعا نقدية كهدية للمحامي الذي يجيد الدفاع ...
غير أن هذا مجرد افتراض، غير أن الأكيد أن لهذا التصميم علاقة بفلسفة المحاماة عموما ...فشريط القماش الأسود الذي ينتهي بقطعة بيضاء و يكون على صدر المحامي يرمز إلى الحقيقة التي توصل إليها المحامي بعد اطلاعه على ملف موكله...فالبياض يرمز للحقيقة
أما الشريطين اللذين يتدليان إلى منطقة الظهر فيرمزان إلى الحقائق التي لا يعرفها المحامي و التي على العدالة كشفها.
أما حاليا...فيعمل المحامي جاهدا لإقناع موكله بأنه على دراية بكل خيوط القضية، بل و يتوقع الحكم الذي سيصدره القاضي و كأنه من أهل مشورته...و لك عزيزي القارئ أن تصدر حكمك على هذا المحامي